الشيخ أحمد بن علي البوني

89

شمس المعارف الكبرى

واعلم أن الباري جلت قدرته لما أنزل السرادق الأعلى وأجلسه على الكرسي الوقوف الأبهى ، وكساه حلة النور البهي ، وتوّجه بتاج الحكمة العليا ، وجلاه على الحقائق في درجة يوم الرضا من النور المطلق المعبر عنه وهو الأزل المطلوب ، ثم قدمه في الحقائق المصطفيات العوارف للجليات عنده فرارا من ذواتهم ، وفكر خلواتهم ، وعرش كراسيهم ، وثبات أقدامهم على بساطهم في ربوع مواقفهم في حضرة القدس ، ومشكلات برازخهم الفسيحة الفضاء ، الملكوتيات ومن أعلاها النهايات ، والعلويات فأحبطوها رفيقا واتخذوها سلوكا صديقا ، فأجابوا نداه يا رب هب لنا سرا نهتدي به بسر السر ، ولا لطيفة تشهد حقائق الفكر لأنه بيننا فلكا محيطا وشكلا بسيطا ، فلما علم منهم هذه الرأفة الوصفية والحقيقة الأصلية الفرعية ، فتح اللّه لهم ذلك الكتاب المتقدم ذكره ، المشهور فضائله وفخره ، وأشهدهم على سر الدائرة الرحموتية ، فانتقش سرها في سرهم ، فأشرفوا بسرها على سائر أسرارهم ، فإذا هي دائرة شعشعانية انبسطت وداعهما ، وانشقت وأحيت بنفختها أمواتا ، وإذا بها دائرة لها ظاهر وباطن ، فظاهرها دائرة احتوت على حرف استعدادها 567 ، وباطنها يحتوي على حروف عدتها 231 ، فنسبة 130 نسبة أزلية وهي المكنونة ، ونسبة 231 نسبة أبدية وهي : الكتاب المكنون فيه ، فلما بدا لهم من مقالها علما معلما ، وفهما وسرا مفهما ، وفيضا إلهيا وروحا قدسيا ، فلم يزالوا يقتفون آثارها ، وهي توضح لهم الحق الأسنى ، فوجدوا القدرة على الموافقة ، ولا تضاد بمادة الموافقة فاتخذوها إماما لدار المقام ، وزادا لدار السلام . فإذا أردت ذلك فتحقق سر العدد الثاني ، فحينئذ يبدو لك العلم الأول والسر الظاهر المعجل ، وذلك أن السرادقات الأعلى المستولي عليه الكرسي الأسنى احتجبت بالسر والبهاء بسر المراد في المراد ، وإنما هو مشهور الإيجاد في الآحاد من حيث المراتب لا من حيث العدد فافهم . فالناس في ذلك على مراتب من الإدراكات ، فمن شاهد الكتاب الأول منطويا شاهد حجب السرادق الأعلى ، ومن شاهد سر الكتابة شاهد السرادق الأبهى وليس وراءه درجة ترتقى إلا بسرّ العناية الذي هو محيط أسرار الدائرة الرحمانية ، وها أنا أضرب لك مثلا يقرب الفهم . فافرض دائرة مسطحة زواياها معتدلة ، ارفعها في الهواء من غير عمد ، وظاهرها فوق الفوق ، وباطنها تحت التحت ، وأولها أوّل الأوّل ، وآخرها آخر الآخر ، ويمينها أزلها ، وشمالها أبدها ، ومن الدائرة التي هي دائرة ا ج د وظاهرها دا ، وباطنها باطن ألف مفسر الألف ، لأن الألف الظاهرة بنسبة فوق الفوق إذ لا فوق يعقل ، وعلوها حقيقة التوحيد من غير تمثيل ولا تشكيك ولا تشبيه ، ولا حصر ولا إطلاق ، ولا فوق ولا تحت ، ولا يمين ولا شمال ، ولا خلف ولا أمام فافهم . وأما السر الرحموتي فهو سر البرزخ الذي بين الألفين المشتركين في باطن الدائرة وظاهرها ، وأنت مجموع الدائرة مشاهد لحقائق الرحموتية فافهم السرادق وصدق الصادق الفكري ، فإن أنت فككت فص هذا الخاتم دخلت في جنة المعارف بسلام فشعب الفكر ، وبنور الرحموتية فقم به ولا تقم عليه ، فإن أقمت عليه وأقمت عليه وأقمت دائرة ذاتية السرّ إليه وفاض الفيض الإلهي الرحموتي ، فتفهم حد ما تقدم وما تأخر وما ظهر منها وما بطن ، فيكون حقائق الأشياء لك مبشرين وإلى